من بدع الجوال والبريد الالكتروني

من بدع الجوال والبريد الالكتروني

إن الحمد لله نحمده... و بعد

لقد كان من عظيم نعمة الله تعالى على هذه الأمة أن أكمل لها دينها وأتم عليها نعمته ورضي لها الإسلام دينا ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾ قال الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى: (هذه أكبر نعم الله تعالى على هذه الأمة حيث أكمل تعالى لهم دينهم فلا يحتاجون إلى دين غيره ولا إلى نبي غير نبيهم صلوات الله وسلامه عليه، ولهذا جعله الله تعالى خاتم الأنبياء وبعثه إلى الإنس والجن فلا حلال إلا ما أحله ولا حرام إلا ما حرمه ولا دين إلا ما شرعه) انتهى المراد من كلام ابن كثير رحمه الله تعالى.

ومن لوازم كمال الدين وتمام النعمة والرضا من الله للأمة بدين الإسلام أن كل خير قد رغب فيه الإسلام ورتب عليه الأجر والثواب وكل شر قد رهب منه الإسلام ورتب عليه الوزر والعقاب.

 ولقد تكاثرت النصوص القرآنية والنبوية والآثار عن الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان، كثرت النصوص المحذرة والمرهبة من البدع بجميع أنواعها ذلك لأن البدع زيادة على الشرع، بل وتزهيد فيما أمر به الشرع، بل ونبذ لما جاء به الشرع، وكل هذا قد نبه وحذر منه أهل العلم.

 من المعلوم نصا قوله صلى الله عليه وسلم :«وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار» وإذا كان ذلك كذلك فالبدع بلاء وضلال مهما صغرت، والسنة جلاء ونور مهما صغرت. قال الإمام البربهاري رحمه الله تعالى: (واحذر صغار المحدثات من الأمور فإن صغير البدع يعود حتى يصير كبيرا ...)

وأسباب البدع كثيرة متنوعة، ومنها: الاستحسان العقلي، ومنها كذلك كثرة العاملين بها والمتواصين بها، والتقليل لما جاء به الشرع وذلك عن حسن نية.

 والدافع الأغلبي لتلك الأمور المستحسنة هو حب الخير وطلب التكثر منه إلا أن ذلك المقصد من حب الخير وطلب التكثر منه لا يشفع لصاحبه أو أصحابه أن يستحسنوه فضلا عن أن يقدموا عليه حتى يتثبتوا ويتبينوا من صحة العمل به وذلك من خلال سؤال أهل العلم الراسخين ﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

ولقد حدث في زمن النبوة أن نفرا ثلاثة رضي الله تعالى عنهم أرادوا التعبد بأمور لم يأمر بها الشرع وكل ذلك بقصد الخير وحب العمل الصالح، فما الذي كان من شأن النبي صلى الله عليه وسلم معهم؛ أخرج البخاري ومسلم عن أنس رضي الله تعالى عنه قال:(جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أخبروا كأنهم تقالوها فقالوا: أين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم؟ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر! قال أحدهم: أما أنا أصلي الليل أبدا، وقال الآخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا. فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:«أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني»).

فانظروا معاشر المسلمين كيف أنكر عليهم النبي صلى الله عليه وسلم وشدد في إنكاره لأن ذلك الباب لو فتح لتعطلت كثير من أحكام الشريعة. وفي قوله صلى الله عليه وسلم: «فمن رغب عن سنتي فليس مني» قال الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى: (وهذه العبارة أشد شيء في الإنكار، ولم يكن ما التزموه إلا فعل مندوب أو ترك مندوب إلى فعل مندوب آخر) انتهى.

ويستفاد من الحديث: أن لزوم السنة لا يكون إلا بالاتباع ولا تشفع كثرة العمل المجردة عن الاتباع لصاحبها.

ولقد كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ورضي الله تعالى عنهم أحرص الناس على التحذير من مخالفة الهدي النبوي مهما كان نوع المخالفة في الأذكار أو في العبادات البدنية أو غيرها. وكان نكيرهم يشتد بخاصة على العبّاد والقرّاء لأن الناس يتأثرون بهم بسبب كثرة عبادتهم وقراءتهم؛ فمن ذلك ما جاء عن عبدالله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه بلغه أن قوما يجتمعون في المسجد يسبحون ويهللون ويكبرون بطريقة غير مأثورة، وقد كوّم كل منهم مجموعة من الحصى أمامه وعندهم رجل يقول لهم: سبحوا عشرا، فيسبحون عشرا، ثم يقول: احمدوا عشرا، فيحمدون عشرا، ثم يقول: كبروا عشرا، فيكبرون عشرا. فلما بلغ خبرهم ابن مسعود ذهب إليهم، فلما رأى وسمع ما قيل له عنهم بأنه فيهم جاء إليهم وقال: أنا أبو عبدالرحمن، ثم قال: لقد فضلتم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم علما أو لقد جئتم ببدعة ظلما، فقال له رجل منهم: نحن نستغفر الله. ثم قال له آخر: والله ما فضلنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم علما ولا جئنا ببدعة ظلما ولكنا قوم نذكر ربنا. فقال ابن مسعود: بلى، والذي نفس ابن مسعود بيده لقد فضلتم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم علما أو لقد جئتم ببدعة ظلما، والذي نفس ابن مسعود بيده لئن أخذتم آثار القوم ليسبقنكم سبقا بعيدا، ولئن جرتم يمينا وشمالا لتضلن ضلالا بعيدا. وجاء عن حذيفة رضي الله تعالى عنه أنه أتى المسجد فقال: يا معشر القراء اسلكوا الطريق، فوالله لئن سلكتموه لقد سُبقتم سبقا بعيدا، ولئن أخذتم يمينا وشمالا لقد ضللتم ضلالا بعيدا.

وإذا كان الصحابة رضي الله عنهم على عظيم اتباعهم وشريف منزلتهم يَحذَرون ويُحَذِّرون من الأمور المخالفة للهدي النبوي ولو ظهر الاجتهاد والتعبد على صاحبها، فماذا يقال في حال كثير من الناس اليوم ممن قصروا في الفرائض، فعلينا معاشر المسلمين أن نحذر من كل أمر ينسب إلى الشرع إلا بدليل شرعي على فهم سلف الأمة من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان فهم أدرى الناس بالنصوص.

وفي وقتنا هذا تكون البدع أسرع انتشارا من العصور الماضية، ومما ساعد على انتشار تلك الأخبار والبدع والمحدثات وسائل التقنية المتنوعة كما وكيفا، وسأقتصر على ما اعتاد عليه كثير من الناس من تبادل رسائل من خلال أجهزة الجوال الهاتفية خاصة، وكذلك من خلال البريد الالكتروني، فقد اعتاد كثير من الناس إرسال تلك الرسائل التي تتضمن ظاهرها حثا على عبادة أو ترغيبا في طاعة وهو لا يعلم عن مشروعيتها من عدمه بل وزادوا الأمر توسعة بقولهم: "انشر تؤجر".

يا عجبا من هؤلاء ألم يعلموا أنهم قد ينشرون بدعا بفعلهم ذاك، هل سألوا أهل العلم؟ لم يسأل أحدنا عن صلاحية ما يشتري من المطعوم والمشروب؟ لم يذهب أحدنا إذا اعتل إلى الطبيب ويسأل عن الدواء بينما في أمور متعلقة بالشرع نستحسن لأنفسنا ونحث غيرنا، إن هذا لشيء عجاب. ألا يخشى هؤلاء من "انشر تؤزر" بدلا من "انشر تؤجر".

وإليكم بعض ما تناقلته رسائل جوالات ومواقع بريد كثير من الناس بما يسمى بـ (حملة الاستغفار) وكذلك قولهم: (اختموا آخر جمعة من عامكم بالاستغفار) وكذلك قولهم: (وحدوا الدعاء) وكذلك قولهم: (إذا كان غير المسلمين يحتفلون بعيد رأس السنة فاجعلوا ذلك الوقت دعاء وتضرعا) إلى غير تلك الرسائل التي لا تستند إلى دليل شرعي. ومما يضاف إلى ذلك أيضا تلك الرسائل التي تتضمن أخبارا تنسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم لا يعلم صحتها من ضعفها بل إن بعض تلك الأخبار قد يكون مرسلها شديد الضعف بل قد يصل إلى درجة الوضع.   لماذا يتسرع قوم ويتسابقون إلى نشر مثل تلك الرسائل لماذا لا يسأل أحدنا إذا جهل فإنما شفاء العي السؤال كما قال صلى الله عليه وسلم؟ لماذا لا ترد تلك الأمور إلى هدي النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال عمر رضي الله تعالى عنه: (ردوا الجهالات إلى السنة) أي: ردوا ما تجهلونه إلى السنة، فإن وافق فخذوه وإن خالف فاتركوه. وقد أفتى بعض مشايخنا الراسخين بإنكار تلك الرسائل وما شاكلها.

ويقال أيضا لأصحاب تلك الرسائل: ألم يحدث في زمن النبوة نوازل كثيرة ابتلي فيها المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا، هل أمر النبي صلى الله عليه وسلم بحملة للاستغفار؟ ألم يكن زمن النبوة ثلاثا وعشرين سنة فهل جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمرهم في سنة واحدة تنزلا أن يخصوا آخر جمعة منها بالاستغفار، ثم في زمن الصديق رضي الله تعالى عنه، ألم تكن فتنة المرتدين من أعظم الفتن وأخطرها على الإسلام، فهل نادى الصديق بحملة الاستغفار؟. وفي عهد الفاروق كان عام الرمادة حتى أكل الناس الجلود وهلك كثير فهل أمر الفاروق بتوحيد الدعاء أو بحملة الاستغفار.   إن باب البدع كلما اتسع كلما زاد ضعف الأمة وهوانها، وكلما كان المسلم حريصا على تعظيم السنن ونبذ البدع كان ذلك سببا لخيريته خاصة ولخيرية الأمة عامة. ولنجعل معاشر المسلمين نصب أعيننا تلك النصوص المحذرة من الابتداع ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وفي رواية: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» وكذا قوله صلى الله عليه وسلم: «وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار».

وليحذر المسلم من أن يكون معينا على نشر ما يخالف السنة، وعليه كما سبق أن يسأل إذا جهل، يقول الإمام الشاطبي عن ابن وضاح أنه قال: (فعليكم بالاتباع لأئمة الهدى المعروفين، فقد قال بعض من مضى: كم من أمر هو اليوم معروف عند كثير من الناس كان منكرا عند من مضى، وقد كان الإمام مالك يكره كل بدعة وإن كانت صغيرة، وجميع هذا ذريعة لئلا يتخذ سنة ما ليس بسنة أو يعد مشروعا ما ليس بمعروف) انتهى [الاعتصام 2/96].

اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين.