تصحيح للأفهام في قوله تعالى: [ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه]

تصحيح للأفهام في قوله تعالى: [ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه]

بسم الله الرحمن الرحيم

قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب: 4]

كثر الكلام هذه الأيام عن هذه الآية وتواطأ كثير من كلامهم على أن الله تعالى نصَّ على ذكر الرجل حتى تخرج المرأة من الوصف. ذلك لأنها في أثناء حملها بجنينها يكون في جوفها قلبان.

هذه خلاصة كلام حول الآية.

وهذا -والله تعالى أعلم- فهم خاطئ وبيان ذلك من وجوه:

الوجه الأول:

لم يرد ذلك الفهم -حسب البحث- عن الصحابة رضي الله عنهم وقد عاصروا التنزيل وهم أدرى الناس بفهمه فضلًا على أنهم عرب أقحاح يعرفون أساليب لغتهم. ومع ذلك: لم يُنقل عن أحد منهم أنّ هذا الوصف أو القيد: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب: 4] يفيد إخراج غيره من جنسه.

الوجه الثاني:

ذكر علماء علوم القرآن وكذلك علماء التفسير: أنّ فهم سبب التنزيل يعين على فهم المنزّل.

وقد ذكر غير واحد من المفسرين أن سبب نزول الآية رجل يزعم أنه له قلبين وكان يقول للناس سلوا عن أي شيء أُجبكم فأكذب الله قلوه.

الوجه الثالث:

أن غالب خطابات القرآن للرجال ويدخل فيه النساء إلّا ما دلّت القرينة على خروجه. وقد يلحق بهذا ما في هذه الآية وإن لم تكن الآية خطابًا.

الوجه الرابع:

أورد بعض المفسرين عند كلامه عن هذه الآية قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ...﴾ [البقرة: 26]، وذكر أنّ ذكر البعوضة لا ينفي غيرها مما هو أدنى منها.

والشاهد أنّ النص على الرجل في الآية ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب: 4] لا يخرج المرأة من ذلك الوصف.

الوجه الخامس:

قد يقال -تنزّلًا- إن إخراج المرأة من الآية بدعوى أنها عند الحمل يكون في جوفها قلبان لا يسلّم بذلك الفهم وبيان ذلك:

أنّ سياق الآية ومفهومها ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب: 4]

يفيد -والله تعالى أعلم- لزوم القلبين للجوف في أصل الخلقة وهذا منتف في قلب الجنين. فإن خلقه عارض بسبب الحمل.

وخلاصة القول:

أن الآية خرجت مخرج الغالب وهو النص على الرجل دون المرأة، ولا يلزم من ذلك إخراج المرأة من السياق، ذلك أن لغة العرب واسعة الشمول في مصطلحاتها ولا يخرج شيء مما يتسع له المنطوق إلا بقرينة صريحة.

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات

كتبه الدكتور/ عبد العزيز بن محمد السدحان

5/ 8/ 1438هـ